ابن الحسن النباهي الأندلسي

69

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

فلمّا مضت مدّته ، ابتاعها ابتياعا صحيحا . فكان الحكم بعد ذلك يقول : « رحم اللّه محمد بن بشير ! لقد أحسن فيما فعل بنا على كره منا : كان بأيدينا شيء مشتبه ؛ فصحّحه لنا ، وصار حلالا ، طيّب الملك في أعقابنا » وممّا يذكر عليه أنّ رجلا كان يدلس « 1 » في كتب الوثاثق ، وإنه عقد وثيقة باطل على رجل من التجار ، وقام بذلك عند محمد بن بشير . فلمّا صحّ لديه تدليسه ، أمر بقطعه ؛ فقطعت يده . وكان إذا اختلفت عليه الفقهاء بقرطبة ، وأشكل عليه الأمر في قضية ، كتب إلى عبد الرحمن بن القاسم بمصر ، وإلى عبد اللّه بن وهب ، وأشباههما ؛ وربما قبل الشاهد على التوسّم . ونقل عن عبيد اللّه بن يحيى عن أبيه أنه قال لمحمد بن بشير « إن الحالات تتغيّر ، ولا تثبت . فإذا عدل عندك الرجل يحكم شهادته ، ثمّ تطاول أمره ، وشهد عندك ثانية ، فكلّفه التعديل ، وأخّر فيه الكشف ؛ فاعمل بحسب الذي يبدو لك » . فقبل ذلك منه ابن بشير . فلمّا أشعر الناس به أخذوا حذرهم منه . ومن كتاب محمد بن حارث ، حديث أحمد بن خالد ؛ قال : سمعنا محمد بن وضاح يقول « 2 » : وكّل سعيد الخير بن الأمير عبد الرحمن بن معاوية عند القاضي محمد بن بشير وكيلا يخاصم عنه في شيء اضطرّ إليه . وكانت بيده فيه وثيقة ، فيها شهادات « 3 » من أهل القبول ، وقد أتى عليهم الموت ؛ فلم يكن فيها من الأحياء إلّا الأمير الحكم بن هشام وشاهد آخر مبرّز . فشهد ذلك الشاهد عند القاضي ، وضربت الآجال على وكيله في شاهد ثان رجي « 4 » به الخصام فدخل سعيد الخير بالكتاب إلى الأمير الحكم ، وأراه شهادته في الوثيقة ( وكان قد كتبها قبل الإمارة « 5 » ، في حياة والده ) وعرّفه مكان حاجته إلى أدائها عند قاضيه ، خوفا من بطول حقّه . وكان الحكم يعظّم سعيد الخير عمّه ، ويلزم مبرّته ؛ فقال له : « يا عمّ ، إنّا لسنا من أهل الشهادات ؛

--> ( 1 ) يدلّس : يخدع . لسان العرب ( دلس ) . ( 2 ) النص في نفح الطيب ( ج 2 ص 146 - 148 ) . ( 3 ) في نفح الطيب : « شهادات شهود قد ماتوا ، ولم يكن فيها . . . » ( 4 ) في نفح الطيب : « وجدّ به الخصام » . ( 5 ) في نفح الطيب : « قبل الخلافة » .